القائمة

الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية.. قرار مأزوم ونوم في العسل

Magda Mahmoud 6 أشهر مضت 0 6 ألف

بقلم الإعلامية دكتوره: ماجدة محمود عبد العال

في زمنٍ تُباع فيه الأوطان على موائد السياسة، وتُشترى فيه القرارات بالفيتو والدولار، يطل علينا قرار الأمم المتحدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية كأنّه نصر مؤزر، بينما هو في الحقيقة مرآة مأزومة تعكس عجز النظام الدولي وازدواجية معاييره. قرارٌ يصفّق له البعض بقلوب متعبة، وكأننا أمام فتحٍ مبين، فيما الدم الفلسطيني ما زال ينزف، والأرض تُبتلع، والقدس تُهوّد. إنها لحظة مخادعة، تُشبه تقديم الماء في صورة سراب، ليُقال للعطشان: اشرب واهدأ.

لم يكن قرار الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة فلسطين سوى محطة جديدة في مسلسل طويل من القرارات التي تبدو على الورق انتصارًا دبلوماسيًا، لكنها على أرض الواقع تظلّ عالقة في فراغ سياسي، عاجزة عن كسر جدار الاحتلال أو تغيير معادلة القوة المختلّة. القرار الأخير، وإن حمل في طياته رمزية معنوية كبيرة للشعب الفلسطيني، إلا أنه يكشف في الوقت نفسه مأزق المنظومة الدولية التي تكتفي بإصدار بيانات وقرارات دون آليات ملزمة لتنفيذها.

فالاعتراف، في جوهره، لا يُعيد اللاجئين إلى بيوتهم، ولا يوقف الاستيطان الزاحف على الأرض، ولا يرفع الحصار عن غزة أو القيود عن القدس، لكنه يمنح شعورًا مؤقتًا بالانتصار، وكأن العالم يوزّع وعودًا وردية بلا ضمانات. وفي المقابل، تستغل “إسرائيل” هذا التراخي الدولي لتفرض وقائع جديدة يومًا بعد يوم، مستندة إلى غطاء أمريكي ثابت، وصمت عربي يكاد يتحول إلى تواطؤ.

المعضلة الحقيقية ليست في القرار ذاته، بل في غياب إرادة حقيقية لتفعيله. فالأمم المتحدة تظل حبيسة لعبة التوازنات الكبرى، تُصدر قرارات لصالح فلسطين في العلن، بينما تسمح في الكواليس لقوى النفوذ بإجهاض أي خطوة عملية. وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد متكرر: شعوب عربية تغلي غضبًا، وساسة يكتفون بخطابات حماسية، بينما العدو يواصل مشروعه بلا هوادة.

الخطر الأكبر يكمن في حالة “النوم في العسل”، حيث قد يتعامل بعض القادة الفلسطينيين والعرب مع القرار وكأنه نهاية المعركة لا مجرد خطوة رمزية. هذا الوهم أخطر من الاحتلال نفسه، لأنه يزرع في النفوس شعورًا كاذبًا بالرضا والإنجاز، بينما الواقع لا يتغير.

إن المعركة الحقيقية لا تُكسب في قاعات الأمم المتحدة، بل على الأرض، بالثبات والمقاومة، وببناء وحدة وطنية فلسطينية وعربية حقيقية. الاعتراف الدولي جميل، لكنه بلا قيمة ما لم يُترجم إلى قوة ضغط سياسية واقتصادية وقانونية، وما لم يُدعَم بموقف عربي موحد يفرض على العالم احترام قراراته. فالحقوق لا تُسترد بالتصفيق والبيانات، بل بالفعل المقاوم والوعي الجماعي.

إن أخطر ما قد نواجهه اليوم ليس إنكار العالم لحقوقنا، بل استسلامنا لأوهام النصر الزائف. فالاعتراف الأممي، مهما بدا تاريخيًا، سيبقى حبرًا على ورق ما لم تحمه قوة الإرادة، وما لم تُترجم بنوده إلى واقع سياسي وقانوني ملزم. والتاريخ لا يرحم، ومن ينام في العسل يصحو على مرارة الفقد وخسارة ما تبقى من الأرض … الحقوق لا تُنتزع إلا بقبضة الوعي والإرادة، والمعركة ليست قرارًا في قاعة دولية، بل فعل مقاومة وصمود على الأرض. وحدها الشعوب المستيقظة هي التي تصنع التاريخ، أما النائمون في العسل، فلن يكون لهم مكان إلا في هوامش النسيان.

Magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *