لأن الأوطان لا تُشفى بانتصار فريق على آخر، بل حين يلتقي أبناؤها على العدل، ويمنح كل طرف الآخر حقه في الألم، وحقه في الأمل.
بقلم د. ليندا سليم
تمر الأعوام، لكن بعض الأحداث لا تغادر الذاكرة، لأنها لا تترك أثرًا في السياسة وحدها، بل تمتد إلى وجدان الناس، وتعيد تشكيل علاقتهم ببعضهم، وثورة الثلاثين من يونيو واحدة من تلك المحطات التي ما زالت حاضرة في الوعي المصري، لا لأنها غيّرت مسار الدولة فحسب، بل لأنها تركت في النفوس جراحًا لم يلتئم كثير منها حتى اليوم.
ولعل ما يؤلمني أكثر من الحدث نفسه، أننا ما زلنا ننظر إلى بعضنا بمنطق الاصطفاف، هذا معنا، وذاك ضدنا، ومن لا يؤيدني فلا بد أنه يقف في صف خصمي، وكأن الوطن لم يعد يتسع إلا لرأي واحد، بينما الحقيقة أن الإنسان قد يختلف مع الجميع، وقد يتفق مع بعض ما عند هذا وبعض ما عند ذاك، دون أن يفقد انتماءه لوطنه.
أما أنا، فلم يكن انتمائي يومًا لحزب أو جماعة أو تيار، وإنما كان ولا يزال لمرجعية أؤمن بها، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا، حين أذكر جماعة الإخوان، فإنني أذكر الاسم الذي عُرفت به سياسيًا، لا حكمًا على دين أحد، فالإيمان بين العبد وربه، ولم أتعلم أن المسلمين جبهات متقابلة، بل أمة يجمعها أصل واحد مهما اختلفت اجتهاداتها.
لم تكن لي تجربة شخصية مباشرة مع الجماعة، ولم أحمل تجاه أحد منهم عداءً مسبقًا، لكنني مررت بتجربة تركت أثرًا في نفسي، تقريبا في عام ال 2000 أو 2001 ” لا أتذكر حقا العام ،فقد كنت عائدة من عملي بعد متابعة أحد المؤتمرات التي امتدت حتى ساعات متأخرة، وشعرت يومها بإرهاق شديد أثناء القيادة، فاقترح أحد الزملاء أن أترك سيارتي ونذهب بسيارته، ثم وعندما عدت لسيارتي، وجدت ورقة تحمل تهديدًا صريحًا بإراقة الدم.
لم تكن لحظة سهلة ولم يحضر في ذهني احدا، وكنت سأتجاهل الأمر ولكن استاذي واخي رحمة الله عليه ” مجدي مهنا” الكاتب الصحفي الكبير أبلغ الجهات المختصة فورا واتبعنا كل الإجراءات الأمنية الإحترازية، وعُينت لي حراسة، وقيل لي إن أسلوب الرسالة يرتبط بعناصر من جماعة الإخوان،ومع ذلك، لم أستطع أن أحمّل ألاف البشر منهم مسؤولية ورقة كتبها شخص لا أعرفه وقد يكون منهم او لا وقد يكون منشق ” الله وحده اعلم” ولكني لم أسمح لذلك الموقف أن يصنع داخلي كراهية لجماعة بأكملها.
ومرت السنوات، وعشت خارج مصر فترة، وأكرمني الله بالحج، وهناك التقيت بفتيات وسيدات قيل لي إن لهن انتماءات أو تعاطفًا مع الجماعة، فلم أر منهن إلا حسن الخلق، ورقي التعامل، والاحترام،تحدثنا طويلًا عن تلك المرحلة، وكانت كل واحدة منهن تحمل رواية مختلفة، وتنفي كثيرًا مما كان يُتداول آنذاك.
لم أصدق كل ما سمعت، ولم أكذب كل ما سمعت، لأنني أدركت أن الإنسان يحكي ما عاشه، وأن الذاكرة لا تحفظ إلا ما ترك أثرًا في القلب.
ثم جاءت شهادة أخرى من الجهة المقابلة، حين علمت بما تعرض له أستاذي وزميلي الأستاذ سعيد السبكي من اعتداء خلال أحداث الثورة، وكيف تهشمت سيارته وأصيب هو نفسه، وكان مقتنعًا أن من اعتدى عليه ينتمي إلى الجماعة بعد ان تحرى الأمر ككاتب صحفي عايش المرحلة.
وقفت طويلًا أمام هاتين الروايتين، ولم أجد كاذبًا بين من عرفتهم، بل وجدت أناسًا يروون ما عاشوه، ويحمل كل منهم جرحًا حقيقيًا،عندها أدركت أن المشكلة ليست في اختلاف الروايات، وإنما في تحويل التجارب الفردية إلى أحكام عامة، فليس كل من انتمى إلى جماعة يحمل فكرًا واحدًا، وليس كل من وقف في صف الدولة كان متشابهًا في مواقفه، فالناس أفراد، ولكل إنسان مسؤوليته، ولكل تجربة خصوصيتها.
لقد دفع الجميع ثمنًا، هناك من فقد عزيزًا، وهناك من سُجن ثم خرج ببراءة، لكنه خرج يحمل في قلبه أثر سنوات لن تعود، وهناك من تعرض للعنف أو التهديد أو التخريب، وما زالت أسر كاملة تحمل آثار تلك المرحلة نفسيًا واجتماعيًا وماديًا.
وكل هؤلاء مصريون.
ولا يجوز أن يصبح وجع أحدهم سببًا لإنكار وجع الآخر.
إن العدالة لا تعرف الانتماءات، والحق لا يتجزأ، والظلم يظل ظلمًا مهما كان من وقع عليه أو من ارتكبه. وما تحتاجه مصر اليوم ليس انتصار رواية على أخرى، وإنما شجاعة الاعتراف بأن الجميع تألم، وأن كل خطأ يستوجب محاسبة عادلة، وأن كل ظلم يحتاج إلى إنصاف، وأن الاعتذار حين يكون مستحقًا لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يعزز ثقة الناس فيها، كما أن الاعتراف بخطأ الأفراد لا يجوز أن يتحول إلى إدانة لمجتمع كامل.
لقد ورثنا من تلك السنوات انقسامًا نفسيًا أكثر من كونه انقسامًا سياسيًا، وأصبح التخوين أسرع من الحوار، والاتهام أسهل من الفهم، وكأننا نسينا أن الوطن ليس حزبًا، ولا جماعة، ولا سلطة، بل بيت يتسع للجميع.
ولست أدعو إلى نسيان التاريخ، فالتاريخ لا يُمحى، وإنما أدعو إلى قراءته بعين عادلة، تعترف بالألم أينما كان، وتنصف المظلوم أيًا كان، لأن الأوطان التي تبقى أسيرة جراحها تعجز عن صناعة مستقبلها.
إن مصر أكبر من كل خلاف، وأبقى من كل تنظيم، وأوسع من كل انقسام، ولم تُبنَ يومًا بانتصار فريق على آخر، وإنما بُنيت بتضحيات أبنائها جميعًا.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن البحث عمن انتصر بالأمس، وأن نبدأ البحث عما ينقذ الغد، فالأوطان لا تُبنى بذاكرة الثأر، ولا تستقيم بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما تنهض حين يشعر كل مواطن أن كرامته مصونة، وأن العدالة لا تميّز بين الناس، وأن الوطن لا يسأل أبناءه إلى أي فريق ينتمون، بل ماذا يقدمون له.
إذا كانت جراح مصر قد تعددت، فإن دواءها واحد وهو الالتئام.
فالالتئام ليس نسيانًا، ولا تنازلًا عن الحق، ولا محوًا للتاريخ، بل هو شجاعة الاعتراف بالألم، وإنصاف المظلوم، ورفض التعميم، والإيمان بأن مستقبل الأوطان لا يصنعه الانشطار، وإنما تصنعه القلوب التي تؤمن أن الوطن يتسع للجميع.
ولعل أجمل ما نهديه إلى مصر اليوم، ليس انتصار رواية على أخرى، بل أن نمنحها فرصة لتلتئم جراحها، فالوطن الذي يلتئم، هو الوطن الذي يستطيع أن ينهض من جديد.
