القائمة

الإقتحام الناعم | حين يتخفّى التطفل في شكل اهتمام

Linda Seleem 3 أسابيع مضت 0 5.6 ألف

د.ليندا سليم تكتب|

في زمنٍ تلاشت فيه المسافات بين الناس، لم تعد المشكلة في القرب بل في غياب الحدود،صار السؤال عادة يومية، والاقتحام يُقدَّم باعتباره اهتمامًا، حتى فقدت الخصوصية معناها، وأصبح الإنسان مُعرّضًا لأن يُسأل عن أدق تفاصيل حياته وكأنها شأن عام مباح للجميع،من راتبك إلى حسابك البنكي، من تفاصيل تذكرتك: سافرت بكام؟ دفعت قد إيه؟ ومعاك فلوس كفاية ولا لأ؟ كم وزنك وطولك بالسنتيمتر، من قرارك بالزواج أو تأخيره إلى خططك للإنجاب، من “هتخلفي إمتى؟” و“نوع الجنين إيه؟” إلى “علاقتك بزوجك شكلها إيه؟” و“بتتكلم مع طليقك ليه؟”بل وحتى تحركاتك اليومية: رايح فين؟ مع مين؟ كنت بتكلم مين؟ كل ذلك بات ساحة مفتوحة لعيون تراقب وأسئلة تتسلل بلا استئذان.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى ما هو أدق وأكثر إزعاجًا “عنوانك فين بالظبط؟” “ساكن إيجار ولا تمليك؟ بكام؟” “بتصرفوا قد إيه في الشهر؟” “فواتيركم كام؟” “معاك مدخرات قد إيه؟” “اشتريت الحاجة دي بكام؟ أصلية ولا تقليد؟” “ليه وزنك زاد؟” “ليه نحفتي كده؟” “ليه لسه ما خلفتيش؟” “جبت كام في الثانوية؟ تقديرك إيه في الكلية؟” “موضوع رسالتك عن إيه؟ وصلتِ لفين؟ فريقك بيقبض كام؟” أسئلة لا تنتهي، وكأن حياة الآخرين ملف مفتوح للاطلاع العام.

المشكلة هنا لا تكمن في السؤال ذاته، بل في افتراض “الحق في السؤال”فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يحق لك أن تعرفه. هناك مساحات في حياة الإنسان تظل مغلقة بطبيعتها: مساحته المالية، الصحية، العاطفية، والأسرية، هذه ليست أسرارًا بالضرورة، لكنها حدود، والحدود لا تُخترق إلا بإذن، الفرق شاسع بين سؤال ينبع من قرب حقيقي وسياق مناسب، وبين سؤال يقتحم حياة الآخر بدافع فضول غير منضبط أو رغبة في المقارنة أو حتى بدافع الفراغ.

الأمر لا يتوقف عند الأسئلة فقط، بل يمتد إلى سلوكيات يومية صارت مألوفة رغم فجاجتها: نظرات متفحصة لعربة المشتريات في السوبر ماركت، متابعة دقيقة لشاشة الهاتف، تركيز معك وأنت تدخل كلمة السر، أو مراقبة ما تسحبه وتودعه من أموال، ثم البناء على ذلك بأسئلة أكثر اقتحامًا، هذه الممارسات، وإن بدت عابرة، تحمل في جوهرها تعديًا صريحًا على المساحة الخاصة، وتُشعر الإنسان بأنه مُراقب لا مُقدَّر.

وإذا انتقلنا إلى التواصل، سنجد أن حتى الاتصال الهاتفي لم يسلم من هذا الخلل. فالاتصال المفاجئ دون تمهيد لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل قد يتحول إلى فرض للحضور على وقت الآخر وخصوصيته،في المقابل رسالة بسيطة مثل: “هل يناسبك أن نتحدث الآن؟” كفيلة بأن تعكس قدرًا عاليًا من الاحترام والوعي. الفرق هنا ليس في الوسيلة، بل في إدراك أن للآخر وقتًا وحدودًا لا يجوز تجاوزها.

الأخطر من ذلك أن من يحاول حماية هذه الحدود يُساء فهمه و يُنظر إليه أحيانًا على أنه متحفظ أو متكبر أو “مُعقّد”، بينما الحقيقة أنه يمارس أبسط حقوقه أن يحتفظ بجزء من حياته لنفسه،وهنا يكمن الخلل الثقافي؛ إذ اختلطت مفاهيم القرب بالامتلاك، والاهتمام بالتطفل، حتى بات من الضروري إعادة تعريف ما يعنيه الاحترام.

الحل لا يكمن في الصدام، بل في الوعي والحزم الهادئ، أن تقول: “أفضل أن يبقى هذا الأمر خاصًا”، أو “لست مرتاحًا للحديث في هذه النقطة”، أو “خلينا في موضوعنا أحسن”، ليس رفضًا للآخر، بل حماية للذات، هي جمل بسيطة، لكنها ترسم خطًا واضحًا بين ما هو مشترك وما هو شخصي، وتُعيد التوازن للعلاقة دون إساءة.

الخصوصية ليست رفاهية يمكن التنازل عنها، بل هي جزء أصيل من كرامة الإنسان والذوق ليس ترفًا اجتماعيًا، بل وعيٌ حقيقي بحدود الآخرين و ليس المطلوب أن نعرف كل شيء عن بعضنا، بل أن نعرف متى نسأل ومتى نصمت، عندها فقط تصبح العلاقات أكثر نقاءً، ويصبح التواصل فعلًا إنسانيًا راقيًا، لا اقتحامًا مغلفًا بالمجاملة.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *