القائمة

الإستعراض الغريزي|حين تغتال ‘العلانية’ وقار الشيب وحياء الطريق

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 5.5 ألف

بقلم| د.ليندا سليم

لم يكن ‘الحياء’ يوماً قيداً على المشاعر، بل كان دائماً هو السياج الذي يمنح الحب قدسيته ويجعل من الخصوصية مملكته الحصينة، لكننا اليوم، وفي غمرة الارتماء في أحضان تقليد مشوه، صرنا نشهد انكسار هذا السياج على أرصفة الشوارع؛ حيث تحول الرباط المقدس من ‘سكنٍ ومودة’ إلى ‘استعراضٍ ومجاهرة’، إن ما يحدث في مياديننا العامة اليوم ليس مجرد قبلة عابرة، بل هو زلزال يضرب أركان المروءة، ويخدش وقار الشيب الذي بلغ الستين، ويطعن عفة الشباب الذي ينتظر خلف أبواب الظروف الصعبة.

في زمن الارتماء في أحضان “العولمة الزائفة” والتقليد الأعمى لكل ما هو وافد، برزت في مجتمعاتنا هذه الظاهرة الدخيلة التي تستفز الفطرة وتصدم الوقار؛ وهي مجاهرة بعض الأزواج بتبادل القبلات واللمسات الحميمة في الأماكن العامة، مدعين أن هذا “حق مشاع” وأنهم بكلمة “زوجتي” قد ملكوا رخصة لخدش حياء المارة وتسميم الأجواء العامة بالابتذال.

بينما ينجرف هؤلاء وراء نزواتهم، يذكرنا نهج السلف الصالح بمقام العمر وقيمته؛ فمن بلغ من هذه الأمة الستين، فقد “أعذر الله إليه” وقُطعت حجته، وأصبح في سنٍّ يفرض عليه التوقير والاستعداد للقاء الله، لا الانخراط في سلوكيات المراهقة المتأخرة،فإن بلوغ الستين عند السلف كان إيذاناً بتكثيف العبادة والستر، فكيف بمن يجهر بالغرائز في الطرقات ضارباً عرض الحائط بمقام المروءة ووقار السنين؟

إن هذا “السيرك العاطفي” في الشوارع ليس رمانسية، بل هو جناية نفسية مكتملة الأركان بحق فئات المجتمع، ففي ظل ظروف اقتصادية قاهرة تؤخر زواج الشباب، يعد هذا الاستعراض طعنة في قلب كل شاب وشابة يجاهدون أنفسهم بالعفة، وهو نوع من “السادية” التي تبتهج بعرض النعمة أمام فاقدها. وحين يرى أزواج يصارعون جفاء الحياة أو ثقل المسؤوليات هذه المشاهد المسرحية، تشتعل في نفوسهم نيران الحقد والحسد والمقارنة الظالمة، مما يهدد استقرار بيوت قائمة أصلاً على الصبر، كما أن رؤية الأطفال لهذه المشاهد تفتح وعيهم على أمور قبل أوانها، وتكسر في نفوسهم قدسية الخصوصية، مما يربي جيلاً يرى في التبذل رقياً.

كما أن القانون لم يترك الأمر للسدّاح مداح؛ فكل القوانين العربية المستمدة من روح الشريعة تجرم هذه الأفعال وتصنفها “جنحة فعل فاضح علني”والقانون هنا لا يلتفت لشهادة الزواج، لأن الجريمة ليست في “العلاقة” بل في “العلانية” وخرق حرمة المجال العام وتتحقق هذه الجريمة بمجرد توفر الركن المادي (القبلة أو الاحتضان) في مكان عام، وتصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة، وتُغلظ العقوبة إذا حدثت أمام قاصرين، لتتحول من مجرد سلوك شائن إلى وصمة في السجل الجنائي تلاحق صاحبها.

إن الحب الحقيقي “سكن” وليس “إعلاناً”، والرجل الذي يعتز بكرامة زوجته هو من يحيطها بسياج من الغيرة والستر، لا من يجعلها وسيلة لجذب الأنظار وإثارة الغرائز في الطرقات، إن المجتمع الذي يفقد حياءه يفقد هويته، والمجاهرة بالخصوصيات هي أول عتبات الانحدار السلوكي، فليتقِ الله هؤلاء في شبابنا وأطفالنا، وليعلموا أن للطريق حقاً، وللحياء سلطاناً، وللحلفاء سوطاً لا يرحم المستهترين بالذوق العام.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *