بقلم د.حنان طارق
تخيل معي مشهدًا مألوفًا لشخص يقلب الشاشة بملل، لتوقفه فجأة مقطورة قصيرة تشخص له “صدمات طفولته”، وتخبره أن مزاجه المتقلب سببه أخطاء الآخرين! حين نتأمل مشهدنا المعاصر، يبدو وكأن العالم بأسره قد تحول إلى عيادة نفسية افتراضية ضخمة؛ نصوص تحذر بلا توقف، وعبارات براقة تدعوك لإنقاذ نفسك. لكن خلف هذه الموجة العارمة من التوعية الظاهرية، تتبلور بصمت ظاهرة اجتماعية ونفسية عميقة: تحويل “الهشاشة النفسية” إلى سلعة استهلاكية يتم تداولها وترويجها. (السوشيال ميديا لا تعالج جروحك، بل تبيع لك اللاصق وتخبرك أن الجرح يجب أن يبقى مفتوحاً).
الواقع أن منصات التكنولوجيا وعالم “التنمية الذاتية” السريع لا يسعيان أبداً إلى شفائك؛ بل يحرصان على إبقائك بدقة في تلك المنطقة الرمادية المعلقة بين المرض والتعافي. فاستمرار شعورك بأنك “غير مكتمل نفسياً” أو أنك مصاب بندوب خفية هو الضمان التجاري الوحيد لاستمرار استهلاكك للمحتوى، والمنتجات الوهمية، والخدمات الاستشارية الرقمية.
يتم تحويل المشاعر الإنسانية الطبيعية مثل الحزن المؤقت والتردد والإرهاق إلى متلازمات واضطرابات تحتاج إلى علاج وتتبع دائم. وهنا تُعامل الأسرة والمجتمع كأدوات وصم أو كأوسمة افتراضية، وليست حالات تتطلب احتواءً حقيقياً.
وهذه دوامة “التعافي المزيف” تجعل الحاجة مستمرة لشراء الطمأنينة المؤقتة؛ فمنصات التواصل لا تقدم حلولاً جذرية بل تقدم مهدئات رقمية سريعة تمنح الدماغ دفعة وهمية من الإنجاز، لتترك المستخدم بعدها في فراغ أعمق يجبره على العودة لنفس الدوامة من جديد.
من هنا تبدأ مرحلة عزلة “الوعي الذاتي المفرط”؛ فبدلاً من أن يقرب الوعي النفسي الناس من بعضهم، أدى هذا الاستهلاك المفرط لمحتوى الصحة النفسية إلى خلق أجيال تعاني من الارتياب المزمن تجاه أقرب الناس إليها، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الإنسانية لصالح عزلة فردية باردة. ولأننا نعيش في عصر يقدس الضحية المستهلكة، أصبح صناع المحتوى يبنون نموذج عملهم بالكامل على إبقاء الجمهور في حالة احتياج دائم للتعاطف الرقمي.
وللخروج من هذه الخديعة الكبرى، لا يبدأ الأمر بالبحث عن مزيد من نصائح الصحة النفسية على الشاشات، بل بالتوقف عن استهلاكها أو الترشيد بقدر المستطاع، والعودة إلى بساطة العلاقات الإنسانية بعيداً عن كتالوجات التطوير الذاتي المعلبة.

تسليع الدهشة
حقيبة الملكة