د.ليندا سليم تكتب|
في مشهد يبدو للوهلة الأولى متناقضًا، تُعلن تهدئة بين إيران والولايات المتحدة، بينما تستمر الضربات في لبنان كأن شيئًا لم يتغير، هنا لا يصبح السؤال: لماذا تُضرب لبنان؟ بل: لمن تُوجَّه الرسالة فعلًا؟
في السياسة ليست كل الحروب تُخاض من أجل الانتصار بعضها يُدار لإرسال إشارات، ما يحدث أقرب إلى مسرحية مُتقنة الإخراج، أبطالها الكبار لا يقفون دائمًا على الخشبة، بل يحرّكون الستار من الخلف، بينما تُسلَّط الأضواء على ساحات أخرى أقل قوة… وأكثر قابلية للانكسار.
“اضرب المربوط يخاف السايب” ليست مجرد حكمة شعبية، بل قاعدة تُطبّق ببرود في العلاقات الدولية، فحين تُضرب دولة مُنهكة كلبنان، الغارقة أصلًا في أزمات اقتصادية وسياسية، فإن الرسالة لا تكون إليها وحدها، بل إلى كل من يراقب: هذا ما يمكن أن يحدث إن خرجتم عن الخط.
الهدنة الإيرانية الأمريكية ليست سلامًا، بل إعادة تموضع. كل طرف يعيد ترتيب أوراقه دون أن يتخلى عن أدوات الضغط،وبينما تُخفَّف حدة المواجهة المباشرة، تُفتح ساحات بديلة تُستخدم كرسائل بالنار، لا بالكلمات.
لكن السؤال الأخطر: من يدفع الثمن؟
ليس اللاعبون الكبار بل الدول التي تقع في المنتصف،تلك التي تُستخدم كمسارح جانبية للصراع. شعوب تُستنزف، واقتصادات تُضرب، وأنظمة تُهز، فقط لأن موقعها الجغرافي أو السياسي يسمح بأن تكون “رسالة” بدل أن تكون “طرفًا”.
وهنا تظهر زاوية أخرى أقل وضوحًا، وأكثر قسوة المصالح الإقليمية وفي خضم هذا الصراع، تتقاطع حسابات قوى أخرى في المنطقة، بعضها يرى في إضعاف دول بعينها فرصة لإعادة تشكيل موازين القوة. ليس بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل عبر دعم غير معلن، أو صمت محسوب، أو حتى استثمار في الفوضى.
النتيجة؟
اقتصادات تتآكل،عملات تفقد قيمتها و شعوب تُدفع نحو حافة اليأس، ليست حربًا شاملة لكنها حرب من نوع آخر” حرب إنهاك’،كسر العين لا كسر العظم.
في هذه اللعبة لا أحد بريء تمامًا، ولا أحد ضحية بالكامل لكن هناك دائمًا من يدفع الفاتورة مضاعفة و لبنان مثال صارخ، لكنه ليس الوحيد، فكل دولة ضعيفة أو مُثقلة بالأزمات، تصبح مرشحة لأن تكون “المربوط” التالي.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:ما نراه ليس كل ما يحدث وما يحدث ليس دائمًا كما يبدو ،وهذه ليست حربًا تُعلن في نشرات الأخبار فقط، بل تُدار في غرف مغلقة، حيث تُرسم الخرائط لا بالحدود، بل بمصالح القوة ومن لا يملك موقعًا قويًا على الطاولة، قد يجد نفسه على قائمة الرسائل.
