بقلم د.ليندا سليم
منذ سنوات وأبناء المصريين في الخارج يثبتون ارتباطهم بالمنظومة التعليمية المصرية ويحرصون على استمرار صلتهم بوطنهم من خلال نظام “أبناؤنا في الخارج”، ومع كل خطوة تتخذها وزارة التربية والتعليم نحو التحول الرقمي، يتجدد الأمل في أن تصبح الإجراءات أكثر مرونة وعدالة، لكن ما زالت هناك ملفات تستحق إعادة النظر، وفي مقدمتها المرحلتان الإعدادية والثانوية.
بعد أن أصبحت الامتحانات تُعقد إلكترونيًا، يبرز سؤال منطقي، لماذا لا تُحتسب درجات المرحلـتين الإعدادية والثانوية بالكامل، بدلًا من الاكتفاء بنظام الاجتياز، طالما أن الامتحان يُؤدى إلكترونيًا ويُصحح إلكترونيًا، وليس مجرد رفع ملفات أو أعمال تقييم يصعب توحيدها؟
إذا كانت المنصة الإلكترونية قادرة على قياس مستوى الطالب بدقة، فما الذي يمنع أن يحصل على درجات فعلية يستفيد منها عند عودته إلى مصر؟ فالطالب يبذل الجهد نفسه، ويخوض امتحانًا حقيقيًا، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الجهد في نتيجة لها قيمة تعليمية، لا مجرد كلمة “اجتاز”.
وإذا كانت هناك اعتبارات تنظيمية تجعل تطبيق هذا المقترح يحتاج إلى وقت، فهناك حل آخر لا يقل أهمية، وهو تحويل اختبار تحديد المستوى للمرحلة الإعدادية إلى اختبار إلكتروني، تمامًا كما يحدث في اختبارات المعادلة للطلاب الراغبين في التحويل إلى المنهج المصري، فإذا نجحت التجربة هناك، فما الذي يمنع تعميمها هنا؟
كل عام تتكرر المعاناة نفسها، آلاف الأسر تعود إلى مصر قبل بدء الدراسة، لتبدأ رحلة مرهقة بين الإدارات التعليمية والمدارس، في انتظار تحديد موعد اختبار المستوى، ثم انتظار النتيجة، ثم انتظار قرار التسكين، بينما يقترب العام الدراسي، ويظل الطالب لا يعرف أين سيبدأ دراسته.
هذه الرحلة لا تستهلك الوقت فقط، بل تستهلك الأعصاب أيضًا، وتخلق حالة من القلق يعيشها الطالب وأسرته، في وقت كان يمكن إنهاء هذه الإجراءات إلكترونيًا خلال أيام، بما يوفر الجهد على الدولة، ويخفف الضغط عن الإدارات التعليمية، ويُنهي مشاهد التكدس والانتظار التي تتكرر كل سبتمبر ويستبدل المدفوع تحت الطاولة فمقنون ومدخول للوطن بشرف ونزاهة.
ابناء المصريين في الخارج، خاصة طلاب مدارس اللغات والتجريبي، واجهوا خلال العام الماضي والحالي تحديات كبيرة عند العودة لاستكمال تعليمهم او تسكينهم في مدارس الوطن، إذ اصطدم بعضهم بعدم وجود أماكن في المدارس الحكومية بالنظام الذي درسوا به او حتى منازل بحجة اللغات ليس لها منازل، وأصبح الخيار بين التحويل إلى التعليم العربي، بما يمثله ذلك من تغيير جذري في لغة الدراسة، أو اللجوء إلى المدارس الخاصة بتكاليف لا تناسب جميع الأسر.
ولا ينبغي أن يكون تأخر التسكين أو مشكلة الكثافات سببًا في تعطيل مستقبل هؤلاء الطلاب، فالقادم من الخارج لاستكمال المرحلة الثانوية، وخاصة من يستعد للثانوية العامة، لا يملك رفاهية الانتظار لأسابيع أو أشهر، ومن حقه أن يجد مكانًا داخل المنظومة التعليمية في الوقت المناسب، لأن حق التعليم لا ينبغي أن يرتبط بتوقيت الإجراءات أو ازدحام المكاتب.
إن ما يُطرح هنا ليس مطلبًا استثنائيًا، بل هو استكمال طبيعي لمسيرة التحول الرقمي، فإذا كانت الامتحانات الإلكترونية أصبحت واقعًا، فمن المنطقي أن تُحتسب درجاتها، وإن تعذر ذلك في الوقت الحالي، فمن المنطقي أيضًا أن يكون تحديد المستوى إلكترونيًا، بدلًا من إرهاق الأسر والإدارات التعليمية بإجراءات يمكن إنجازها بسهولة.
الرقمنة الحقيقية لا تعني استبدال الورق بالشاشات فقط، بل تعني اختصار الوقت، وتيسير الإجراءات، وتحقيق العدالة، والاستفادة من التكنولوجيا في خدمة الإنسان، وحين يتحقق ذلك، لن تكون المنظومة التعليمية أكثر تطورًا فحسب، بل ستكون أيضًا أكثر إنصافًا لأبنائها، داخل مصر وخارجها.
