د.شيرين طلعت تكتب|
هناك نوع من الخداع لا نمارسه على الآخرين فقط، بل نمارسه على أنفسنا أولًا… خداع يرتدي ثوب النُبل، ويتكلم بلسان الحكمة، بينما في داخله خلل لم نجرؤ يومًا على مواجهته.
نخطئ… نعم، فهذا جزء من إنسانيتنا. لكن المشكلة ليست في الخطأ، بل في تلك اللحظة التي نحاول فيها تزيينه، تبريره، أو حتى تحويله إلى “إصلاح” مزعوم. كأننا نخشى الاعتراف بالحقيقة، فنُلبسها قناعًا يُرضي صورتنا أمام أنفسنا قبل أن يُرضي الآخرين.
إلى متى سنظل نُقنع أنفسنا أننا على صواب دائمًا؟
إلى متى سنُعيد صياغة أخطائنا لتبدو وكأنها اجتهادات؟
إلى متى سنهرب من مواجهة عيوبنا، ونُسمي الهروب حكمة؟
المؤلم أن الإنسان حين يعتاد هذا النمط، يفقد تدريجيًا قدرته على رؤية نفسه بوضوح. يصبح مقتنعًا أنه “مُصلح”، بينما هو في الحقيقة يُكرر نفس الأخطاء، ولكن بطرق أكثر تبريرًا، وأكثر ذكاءً في الإخفاء.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا من نقد الآخرين، ولا من الشعارات الكبيرة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من لحظة صدق واحدة مع النفس… لحظة نقف فيها دون دفاع، دون تبرير، دون تجميل، ونسأل:
هل أنا حقًا على صواب… أم أنني فقط بارع في تبرير الخطأ؟
المصلح الحقيقي لا يخجل من الاعتراف، بل يعتبره أول طريق النجاة. لا يخاف من أن يُخطئ، بل يخاف من أن يُصرّ على الخطأ وهو يعلم. لا يُزيّن عيوبه، بل يواجهها، لأن المواجهة مؤلمة… لكنها الوحيدة التي تُغيّر.
أما أولئك الذين يعيشون في وهم الإصلاح، فهم الأكثر بُعدًا عنه. لأنهم لا يرون ما يجب إصلاحه أصلًا.
قد نخدع الناس لبعض الوقت، وقد نقنعهم بصورتنا التي رسمناها، لكننا لا نستطيع الهروب طويلًا من أنفسنا. فهناك داخل كل إنسان مرآة صادقة… لا تجامل، ولا تكذب، ولا تُصفّق.
السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: “كيف يرانا الناس؟”
بل: هل نحن كما ندّعي… أم أننا فقط نُتقن الادعاء؟
حين نملك شجاعة الإجابة، نكون قد بدأنا أول خطوة حقيقية نحو الإصلاح.
