بقلم: د. ليندا سليم
لم يكن المشهد في بدايته صادمًا، بل مألوفًا إلى حدٍ مؤلم؛ يدٌ تمتد لتأخذ بدعوى الاحتياج، وعائلة تُعطي بدافع الرحمة، وأمٌّ تميل بقلبها حيث يثقل العبء، فتخفف ولا تحاسب، وتستر ولا تواجه و في مثل هذه اللحظات الصغيرة، لا يبدو أن شيئًا خطيرًا يُصنع، لكن الحقيقة أن أخطر التحولات لا تبدأ بالجرائم، بل بالتنازلات.
تكبر الحكاية ببطء،يتحول الأخذ إلى عادة، والعادة إلى شعور بالاستحقاق، ثم إلى قناعة راسخة بأن ما في أيدي الآخرين يمكن أن يكون امتدادًا طبيعيًا لما في اليد وهنا تحديدًا، لا يرى الإنسان نفسه معتديًا، بل مستحقًا تأخر إنصافه، فيبدأ بإعادة تفسير كل ما حوله وفق هذا المنطق، حتى العلاقات نفسها.
في البيوت التي لا تُحسم فيها الحدود، تتحول العاطفة إلى ثغرة، والثقة إلى فرصة، والصمت إلى موافقة غير معلنة. الأم التي ظنت أن الاحتواء يكفي، تركت وراءها توازنًا هشًا، فلما غابت، لم يظهر الحزن وحده، بل ظهرت الأوراق. عقود، توكيلات، معاملات، تفاصيل قانونية لا تُشبه بساطة النوايا الأولى، لكنها تعكس بوضوح ما حدث في الخفاء: انتقال تدريجي من المشاركة إلى الاستحواذ.
وهنا لا يعود السؤال: من يملك الورق؟ بل: من يملك الحق؟
قانونًا؛ قد تتعقد الأمور، وتطول سنوات النزاع، وتستنزف القضايا أصحابها حتى ينسحب بعضهم لا اقتناعًا، بل إنهاكًا، لكن الحقيقة التي لا تتغير أن الحقوق لا تسقط لمجرد التعب، بل تُنتزع ممن لا يملكون القدرة على الاستمرار في المطالبة بها ومع ذلك، يبقى القانون على بطئه أداة يمكن أن تعيد التوازن، إذا وُجد من يُحسن استخدامه ويصبر عليه.
أما في ميزان الشريعة، فالصورة أشد وضوحًا وأقسى حكمًا،فالميراث في الإسلام ليس مسألة تقدير شخصي، بل قسمة إلهية دقيقة لا تقبل التحايل وقد قال النبي ﷺ:
“من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين”
فكيف بمن يقتطع نصيب إخوة؟وكيف بمن يستند إلى ورق ليُخفي حقيقة يعلمها قلبه قبل أي أحد؟وهنا تبرز الآية التي تهز الضمير قبل أن تُخاطب العقل:
“أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ”
صحيح أنها نزلت في الغيبة،لكن معناها يتسع لكل صورة من صور انتهاك حرمة الأخ ،فأيّ قسوة أشد من أن يُؤخذ حقه وهو غائب؟
وأيّ صمت أثقل من أن يُسلب وهو لا يملك إلا أن يثق؟
إن ما يحدث في بعض قضايا الميراث لا يمكن اختزاله في خلاف مالي، بل هو اختبار أخلاقي عميق؛ حيث يُقاس الإنسان لا بما يأخذه، بل بما يتركه، ولا بما يستطيع إثباته، بل بما يستطيع أن يبرئ به ذمته أمام الله.
فالبيت الذي كان مأوى تحول إلى ساحة نزاع،
والأخ الذي كان سندًا، اصبح خصمًا،و الأخطر من ذلك ، أن يتحول الضمير نفسه إلى شاهد صامت.
في النهاية لا يُحسم هذا النوع من القضايا داخل المحاكم فقط، بل داخل الإنسان ذاته ،هناك، حيث لا أوراق تُزوّر، ولا شهود يُشترون، ولا حقائق تُعاد صياغتها،هناك فقط يظهر الفارق الحقيقي بين ميراث يُقسم بعدل وغنيمة أُخذت في غفلة من الحق.
