بقلم د.أسامة أحمد زارع
في ظل التسارع الإعلامي الكبير أصبحت أخبار الجريمة مادة يومية تتصدر المنصات وشاشات الهواتف، ليس فقط لأنها تحمل عنصر الإثارة، بل لأن الخوارزميات أصبحت تميل إلى المحتوى الصادم والسريع الانتشار. لكن هنا يبرز سؤال إعلامي مهم: هل دور الإعلام أن يكتفي بعرض الاستثناءات المؤلمة أم أن يصنع توازنًا يعكس الصورة الكاملة للمجتمع؟
لا أحد ينكر أهمية التغطية الإخبارية والحق في المعرفة، لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول بعض الجرائم الفردية إلى حالة إعلامية ممتدة تسيطر على وعي الجمهور، فتبدو وكأنها الصورة العامة للمجتمع، بينما تضيع وسط الضجيج قصص النجاح والجمال والعمل والتنمية.
ومن هنا تظهر مسؤولية الإعلام الحديث؛ فصناعة الأجندة الإعلامية لا تعني فقط تحديد ما يفكر فيه الناس، بل أيضًا ما يشعرون به تجاه وطنهم. فكيف لشباب يقضي ساعات يوميًا أمام المحتوى الرقمي أن يرى فقط مشاهد الدم والخلافات والأزمات دون أن يرى الوجه الآخر للحياة؟
وربما نحتاج اليوم إلى رؤية إعلامية مختلفة؛ رؤية لا تنكر الواقع ولا تُجمّله، لكنها تبحث أيضًا عن مساحات الضوء. لماذا لا يتحول جذب المشاهير والمؤثرين وصناع المحتوى العالميين إلى أدوات للقوة الناعمة المصرية؟ لماذا لا نرى حملات إعلامية أكثر جرأة من قلب المدن السياحية والمناطق الأثرية والمشروعات القومية؟
أين جمال مصرنا الذي يمتد من شواطئ البحر الأحمر إلى آثار الأقصر وأسوان، ومن شوارع القاهرة التاريخية إلى مشاهد التنمية الحديثة؟ لماذا تسبق أخبار الجريمة أحيانًا صور الحضارة والتاريخ والجمال؟
إن معركة الإعلام اليوم لم تعد معركة نقل خبر فقط، بل أصبحت معركة بناء وعي وصناعة صورة ذهنية. فالدول لا تُعرف فقط بما يحدث داخلها، بل بكيفية رواية قصتها للعالم.
لأن السؤال الحقيقي لم يعد: كم خبر جريمة شاهدنا اليوم؟ بل: كم مرة رأينا مصر التي نحبها؟
