القائمة

أين أنتم؟

غرفة الأخبار 6 أشهر مضت 0 3.6 ألف

كتب | عاطف حمدي

اهتزت شوارع القاهرة ولندن وباريس وأمستردام غضبًا. خرجت الجماهير تحمل اللافتات، ووجوهها مليئة بالغضب، وقلوبها مشبعة بالتعاطف. تعالت الصرخات: “الحرية لغزة! أوقفوا المجزرة!”

الألم حقيقي، والتضامن إنساني,

ومع ذلك – وَسَط هذا الطوفان من المشاعر – يرتفع سؤال يطرق ضميري كالصدى الذي لا يزول:

أين أنتم حين يُسفك الدم في أماكن أخرى؟

أين كنتم عندما اختنق اليمن ببطء تحت القصف والجوع؟

عندما مات الأطفال وبطونهم فارغة – لا بصواريخ إسرائيلية، بل بطائرات عربية، وأوامر عربية، وأيدٍ عربية؟

ذلك البلد الذي لم يمزقه القتال فقط، بل تُضطهد فيه أيضًا شعوبه العريقة – المسيحيون والدروز السوريون – يُهانون ويُطردون من قراهم.

هؤلاء أبناء سوريا الأصليون، الذين عاشوا فيها قبل أن تُولد الدولة الحديثة، يعانون اليوم من الإضطهاد والعنف الذي نادرًا ما يظهر في وسائل الإعلام – لا في الغرب ولا في العالم العربي.

حيث تغتصب الميليشيات النساء، وتُدمَّر القرى، وتُدفن الجثث في مقابر جماعية – ليس على يد أعداء خارجيين، بل بأيدي أبناء السودان أنفسهم.

أسمع الصمت.

صمتٌ يصرخ أعلى من ألف شعار ضد إسرائيل.

صمتٌ يفضح كيف أصبحت مشاعرنا الانتقادية انتقائيةً ومحدودة.

بعض المتظاهرين وصفوا الجيش الإسرائيلي بجيش الشيطان، وجنوده بالشياطين.

نعم، ما حدث ويحدث في غزة غير إنساني، ظالم، ولا يمكن تبريره أبدا.

لكن ماذا عن الشياطين الذين يعيشون بيننا – الذين يعذبون ويقتلون أبناء شعوبهم، كأنهم أرقام على خريطة لا بشر لهم كرامة ولا وجوه؟

في دارفور لا يُسمّى الشيطان إسرائيل.

في اليمن يحمل اسمًا عربيًا.

وفي سوريا يتحدث لغتنا، ويؤدي صلواتنا، لكن قلبه من حجر.

نصرخ من أجل فلسطين، ونسكت عن اليمن.

نندب غزة، لكننا نتجاهل معاناة و آلام العلويين والمسيحيين والدروز في سوريا. مدن سوريا التي كانت يومًا تضجّ بالأمل والفرح والطرب، صار الخوف فيها سيد الموقف.

أما نحن فنتجاوز بصمت صور أنقاض حلب وحمص، وقرى المسيحيين والدروز المدمَّرة، وأرض دارفور المحترقة.

ألمٌ يُثير العواصف في نفوسنا، وآخر لا يوقظ فينا شيئًا.

تلك هي مأساة عصرنا:

أصبحت أخلاقنا موسمية، وغضبنا انتقائيًا، وتعاطفنا مشروطًا.

نرفع أصواتنا عندما يكون العدو في الخارج، ونصمت عندما يأتي الشر من بيننا.

لا أكتب هذا لتبرير الألم، فكل روح تُزهق لها وزنها، وكل دمعةٍ مقدسة.

لكنني أكتب لأنني أؤمن أن الإنسان – والشعوب أيضًا – لا يصبح حرًا إلا عندما يجرؤ على النظر في المرآة، ليكتشف ظلامه هو، لا ظلام الآخر فقط.

المعركة الحقيقية في زماننا – في الشرق الأوسط، في أوروبا، في كل مكان – ليست فقط ضد الصواريخ والأنظمة، بل ضد نفاقنا نحن.

فما دمنا نهرب من هذه الحقيقة، ستظل «غزّات» أخرى تشتعل – ليس على شواطئ البحر فحسب، بل في أعماق قلوبنا.

ولهذا أسأل من جديد، لا بغضب بل بحزن.

أين أنتم؟

أين أصواتكم؟ أين ضمائركم؟ أين شجاعتكم؟

حين يتحدث الجلادون نفس لغة ضحاياهم.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *