د. علي الدكروري يكتب:
لم يعد العالم اليوم كما كان، ولم تعد الأزمات أحداثًا منفصلة يمكن التعامل معها بشكل تقليدي، بل نحن أمام مرحلة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد بشكل غير مسبوق، وتتشابك فيها المصالح بصورة تجعل المشهد الدولي أكثر تعقيدًا.

وفي قلب هذه التحولات، تقف أوروبا أمام اختبار حقيقي.
فالقارة التي طالما اعتمدت على الاستقرار والتكامل الاقتصادي، تجد نفسها اليوم في مواجهة تحديات متزامنة؛ من ضغوط الطاقة، إلى تباطؤ النمو، وصولًا إلى تحولات سياسية داخلية تعكس حالة من القلق وعدم اليقين.
أزمة الطاقة، على سبيل المثال، لم تكن مجرد ارتفاع في الأسعار، بل كشفت عن هشاشة بعض نماذج الاعتماد الخارجي، ودفعت العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في سياساتها الاستراتيجية، سواء في مصادر الطاقة أو في طبيعة الشراكات الدولية.
وفي الوقت ذاته، لم تعد التوترات الجيوسياسية بعيدة عن الداخل الأوروبي، بل أصبحت جزءًا مباشرًا من معادلة الاقتصاد، تؤثر في قرارات الاستثمار، وحركة الأسواق، وحتى في توجهات السياسات النقدية والمالية.
هذا الواقع الجديد فرض على أوروبا أن تعيد ترتيب أولوياتها.
لم يعد الهدف فقط تحقيق النمو، بل أصبح الحفاظ على “الأمن الاقتصادي” أولوية أساسية، من خلال تنويع مصادر الإمداد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج في القطاعات الحيوية.
وهنا، تتغير قواعد اللعبة.
العولمة بصيغتها التقليدية لم تعد كما كانت، وأوروبا نفسها بدأت تتجه نحو نموذج أكثر حذرًا، يوازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية مصالحها الاستراتيجية.
لكن رغم التحديات، تظل هناك فرص حقيقية.
أوروبا تمتلك بنية اقتصادية قوية، وخبرات مؤسسية عميقة، وقدرة على التكيف إذا ما أُحسن استغلالها. والتحدي الحقيقي ليس في وجود الأزمات، بل في كيفية إدارتها وتحويلها إلى نقطة انطلاق نحو نموذج أكثر استدامة واستقرارًا.
ما نشهده اليوم ليس مجرد مرحلة صعبة… بل لحظة فاصلة في إعادة تشكيل النظام العالمي.
وأوروبا، كما كانت دائمًا، ستكون جزءًا رئيسيًا من هذا التشكيل… إما بالتأثير، أو بالتأثر.
