بقلم: د. علي الدكروري
لم تعد الطاقة في أوروبا مجرد قضية بيئية ترتبط بخفض الانبعاثات ومواجهة تغير المناخ، بل أصبحت قضية اقتصادية وسيادية تحدد مستقبل الصناعة، وقدرة الشركات على المنافسة، ومدى استقلال القارة عن تقلبات أسواق النفط والغاز والاضطرابات الجيوسياسية.
وفي يوليو 2026، أعلنت المفوضية الأوروبية خطة للتوسع في استخدام الكهرباء داخل قطاعات الصناعة والنقل والمباني، مع استهداف رفع حصتها في الاستهلاك النهائي للطاقة إلى نحو 46% بحلول عام 2040. وترى أوروبا أن هذا التحول قد يساعدها على خفض فاتورة واردات الوقود الأحفوري بمئات المليارات من اليورو سنويًا.
لكن التحول إلى الكهرباء لا يعني فقط زيادة عدد محطات الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح، وإنما تغيير الطريقة التي يعمل بها الاقتصاد الأوروبي بالكامل؛ من السيارات الكهربائية إلى أنظمة التدفئة الحديثة، ومن المصانع التي تعتمد على الغاز إلى خطوط إنتاج تستخدم الكهرباء النظيفة.
الطاقة قضية أمن اقتصادي
كشفت الأزمات التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة أن الاعتماد الكبير على الوقود المستورد لا يمثل عبئًا ماليًا فقط، بل يشكل خطرًا على استقرار الاقتصاد وقراراته السياسية.
فكل ارتفاع في أسعار الغاز ينعكس سريعًا على تكلفة الإنتاج، وأسعار السلع، ومعدلات التضخم، وقدرة المصانع الأوروبية على منافسة المنتجات القادمة من اقتصادات تتمتع بطاقة أقل تكلفة.
ولهذا أصبحت الكهرباء النظيفة أداة لتحقيق ثلاثة أهداف متكاملة: تقليل الاعتماد على الخارج، وخفض الانبعاثات، وحماية الصناعة الأوروبية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إنتاج كهرباء نظيفة فقط، بل في توفيرها بأسعار تستطيع المصانع والمنازل تحملها.
فالطاقة الخضراء التي ترفع تكلفة الإنتاج بصورة مبالغ فيها قد تدفع بعض الشركات إلى نقل مصانعها واستثماراتها إلى دول أخرى، وهو ما يعني فقدان الوظائف والتكنولوجيا بدلًا من تعزيز الاقتصاد الأوروبي.
الشبكات هي الاختبار الأصعب
لن ينجح الاقتصاد الكهربائي دون شبكات حديثة قادرة على نقل الطاقة وتوزيعها وتخزينها بكفاءة.
وتواجه أوروبا تحديًا واضحًا، يتمثل في قدم جزء كبير من شبكات الكهرباء، إلى جانب الحاجة إلى استثمارات ضخمة لتوسيعها وربطها بمصادر الطاقة المتجددة ومراكز الإنتاج الجديدة.
فقد تنتج إحدى الدول كميات كبيرة من الكهرباء الشمسية أو طاقة الرياح، لكن ضعف الشبكات أو نقص قدرات التخزين قد يمنع المصانع والمستهلكين من الاستفادة منها في الوقت المناسب.
لذلك لم يعد الاستثمار في البطاريات والشبكات الذكية والربط الكهربائي بين الدول أقل أهمية من الاستثمار في محطات التوليد.
فالاقتصاد الجديد يحتاج إلى طاقة نظيفة، لكنه يحتاج أيضًا إلى طاقة مستقرة ومتاحة عند الطلب، سواء كانت الشمس ساطعة أم لا، وسواء كانت الرياح قوية أم ضعيفة.
الصناعة الأوروبية أمام تحدٍ استراتيجي
يفتح التحول الكهربائي فرصًا كبيرة أمام قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والرقائق الإلكترونية والطاقة المتجددة والهيدروجين والتكنولوجيا الرقمية.
لكنه في الوقت نفسه يفرض تكاليف مرتفعة على الصناعات التقليدية، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الحديد والصلب والأسمدة والكيماويات.
والسؤال الأساسي هنا ليس ما إذا كانت أوروبا ستنتقل إلى الكهرباء، بل كيف ستدير تكلفة هذا الانتقال، ومن سيتحملها؟
الإجابة تحتاج إلى شراكة واضحة بين الحكومات ومنتجي الطاقة والمصانع، تضمن توفير الكهرباء بأسعار مستقرة، مقابل التزام الشركات بتحديث عملياتها وخفض انبعاثاتها والاستثمار في التكنولوجيا.
كما تحتاج أوروبا إلى سرعة تنفيذ المشروعات، لأن التأخير في تطوير الشبكات أو إصدار التراخيص قد يجعل التحول أبطأ من احتياجات الاقتصاد، ويضعف تنافسية القارة أمام الولايات المتحدة وآسيا.
فرصة لدول جنوب المتوسط
التحول الأوروبي لا يخص أوروبا وحدها، بل يفتح فرصًا مهمة أمام دول جنوب وشرق المتوسط، التي تمتلك إمكانات واسعة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب قربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية.
ويمكن أن تتحول منطقة المتوسط إلى مساحة للتكامل في إنتاج الطاقة النظيفة، وتطوير خطوط الربط، وتصنيع مكونات الطاقة المتجددة، وإقامة صناعات تستفيد من الكهرباء منخفضة الانبعاثات.
وتمتلك مصر والدول العربية فرصة للانتقال من تصدير الطاقة والمواد الخام فقط إلى بناء شراكات صناعية وتكنولوجية طويلة الأجل، تسهم في توطين الصناعة وخلق فرص العمل وجذب الاستثمارات.
خلاصة الدكروري
تدخل أوروبا عصر الاقتصاد الكهربائي لأنها أدركت أن الطاقة أصبحت جزءًا من معركة الأمن الاقتصادي والسيادة الصناعية، وليست مجرد ملف بيئي.
لكن نجاحها لن يتحقق بالأهداف المعلنة وحدها، بل بقدرتها على خفض تكلفة الكهرباء، وتحديث الشبكات، وحماية الصناعة والمواطن من أعباء التحول.
فالطاقة النظيفة تصنع الاستدامة، لكن الطاقة النظيفة والميسورة هي التي تصنع القدرة على المنافسة.
