القائمة

بالصور | أمسية «سوا» في لاهاي.. حين تحوّل اللقاء الثقافي إلى فرح مصري دافئ

غرفة الأخبار 4 أسابيع مضت 1 8 ألف

وأنا أستعد لمُغادرة بيتي مُتجهاً إلى المكان الذي ستجمعنا فيه مؤسسة سوا، وصلتني مشاهد فيديو من السيارة التي كانت تقودها السيدة أسماء منصور قادمة من أمستردام في طريقها إلى مدينة لاهاي، وبرفقتها السيدة سماح، صاحبة الدعم المُستمر لأنشطة المؤسسة، وخفيفة الظل وصانعة البهجة إيمان وهبي، الشهيرة بـ«إيمي».

كان الطريق، كما ظهر في الفيديو، أشبه بعُرس صغير؛ أغنيات وضحكات خرجت من القلب، وبهجة حقيقية جعلتني، وأنا أتابع المشاهد، أشعر بأنني ذاهب إلى فرح، لا إلى مجرد لقاء أو ندوة ثقافية.

كانت تلك الأمسية قد أعلنت عنها مؤسسة «سوا» في وقت سابق من شهر أغسطس، بتنسيق مع «أبنودي الجالية المصرية» محسن حامد، وبالتعاون مع السيدة الفاضلة أمينة سلامة، التي أفسحت المجال لهذا الجمع الجميل في مركز الحي الذي تشرف على أنشطته، وتقام فيه فعاليات اجتماعية، خاصة بالنساء العربيات، في مدينة لاهاي.

تحت عنوان «أمسية ثقافية وتوعوية مميزة»، أقيم اللقاء مساء الثلاثاء 18 أغسطس في مركز الحي الواقع بشارع رايسفاكسفيخ، أحد الشوارع المعروفة في لاهاي، عاصمة هولندا السياسية.

وتضمن البرنامج محاضرة للدكتور ميلاد موسى، خبير التنمية البشرية، تحت عنوان:

كما تضمن نبذة تعريفية عن مؤسسة «سوا»، ورسالتها وأنشطتها المجتمعية، قدمتها أنا، الكاتب الصحفي سعيد السبكي.

واستمر اللقاء نحو ثلاث ساعات، وسط أجواء اجتماعية دافئة وحضور بلغ نحو خمسين سيدة ورجلاً، قدم بعضهم من مدن هولندية مختلفة، وكان عدد منهم يشارك في مثل هذه المناسبات للمرة الأولى.

استهلت السيدة أسماء منصور الأمسية بكلمة ترحيب وشكر، وجهتها إلى الأستاذ محسن حامد والسيدة أمينة سلامة، تقديراً لما بذلاه من جهد في تنسيق هذا اللقاء.

ثم قدمتني إلى الحضور، فبدأت كلمتي بالترحيب بالجميع، وكررت الشكر لمن سبق ذكرهم، مضيفاً أنني أشهد للسيدة أمينة سلامة بأن لها بصمات واضحة في العمل الاجتماعي بمدينة لاهاي.

لكنني اخترت هذه المرة سرداً مُختلفاً عن الشكل التقليدي للتعريف بالمؤسسة.

عدت بالحضور إلى عام 2016، حين تعرفت إلى أسماء منصور في مدينة أمستردام، لأروي جانباً من رحلتها الإنسانية قبل أن تصبح «سوا» مؤسسة تحمل اسماً ورسالة وأنشطة منظمة.

كنت أريد أن أقول إن كل عمل صادق يخرج من القلب، لا بد أن يجد طريقه إلى قلوب الناس.

وتحدثت عن أسماء منصور باعتبارها نموذجاً للإنسانة المصرية البسيطة والأصيلة؛ فهي لم تحرص يوماً على تقديم نفسها بألقاب أو مظاهر اجتماعية، ولم تتحدث عن كونها ابنة عمدة في إحدى قرى كفر الشيخ، بل ظلت، في تعاملها مع الجميع، تمثل الأم والأخت المصرية التي تفتح قلبها قبل باب بيتها.

وقبل سنوات من تأسيس مؤسسة «سوا»، كنت قريباً من بعض أنشطتها الاجتماعية الفردية. كانت توفر سلعاً ومنتجات غذائية بأسعار زهيدة للمصريين، وتجوب بسيارتها أمستردام وضواحيها، حاملة ما تستطيع تقديمه، وتنفق في كثير من الأحيان من مالها الخاص، إلى جانب ما تبذله من جهد كبير رغم ارتباطها بعملها اليومي.

أتذكر أنني أشفقت عليها في إحدى المرات، وقلت لها إن ما تتحمله من أعباء مادية وما تبذله من جهد كبير أمر يفوق طاقة شخص واحد.

لكن ردها كان بسيطاً وصادقاً:

«أنا سعيدة بما أفعله».

وكانت تلك الجُملة، في رأيي، كافية لتفسير الكثير.

لم يكن هدفي من هذا السرد تقديم إعلان دعائي لمؤسسة «سوا»، بقدر ما كان محاولة لإلقاء الضوء على الإنسان الذي سبق المؤسسة، وعلى روح العطاء التي كانت موجودة قبل الاسم والشعار والتنظيم.

ورويت للحضور موقفاً شخصياً يكشف جانباً آخر من شخصية أسماء منصور.

ففي حديث عابر معها، قلت لها إنني لم أقد سيارة من قبل في شوارع أمستردام.

ولم أكد أنتهي من الجملة حتى أخرجت مفاتيح سيارتها ووضعتها في يدي، قائلة، بما معناه: تفضل وجرب.

ومن الطريف أن وجهتنا في ذلك اليوم كانت إلى أحد محال بيع اللحوم الحلال، حيث كانت ذاهبة لشراء احتياجات عشاء ستعده لبعض أعضاء الجالية المصرية في أمستردام.

ربما يبدو الموقف بسيطاً، لكنه بالنسبة لي كان يحمل معنى الثقة والعفوية والرغبة في إسعاد الآخرين، حتى ولو كان ذلك بشيء صغير.

فبعض الأشياء قد تكون بسيطة في شكلها، لكنها كبيرة في معناها.

وفي سياق التعريف بالمدينة التي احتضنت الأمسية، قدمت نبذة قصيرة عن لاهاي، محاولاً أن أضع الحضور، وخاصة القادمين إليها من مدن أخرى، أمام بعض ملامح تاريخها ومكانتها.

وتطرقت إلى الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، الذي ارتبط اسمه بمدينة لاهاي، وإلى ما يمثله من قيمة فلسفية وفكرية جعلت البعض يقارن بين تأثيره وتأثير فلاسفة كبار مثل ابن رشد.

كما أشرت إلى وجود عدد من المؤسسات والمحاكم الدولية في لاهاي، الأمر الذي منح المدينة مكانة عالمية خاصة.

وتوقفت كذلك عند القصر الملكي نووردآينده، أحد أبرز معالم المدينة والمرتبط بالعائلة الملكية الهولندية.

لكن أهم رسالة أردت أن أختم بها كلمتي كانت أبعد من المعلومات والتاريخ.

قلت للحضور:

تعرفوا إلى بعضكم البعض. لا تجعلوا اللقاء ينتهي بمجرد انتهاء البرنامج.

فبيننا مصريون وعرب يعيشون أحياناً في عزلة ووحدة، رغم وجودهم وسط مجتمع كبير. وربما تكون ابتسامة أو مصافحة أو رقم هاتف بداية صداقة تخفف عن إنسان شعوره بالوحدة.

بعد ذلك، جاء دور الدكتور ميلاد موسى، خبير التنمية البشرية، الذي بدأ محاضرته بتقديم الشكر للأستاذ عيسى الفار، مشيراً إليه باعتباره واحداً من رجال الأعمال الناجحين الذين اختاروا لأنفسهم مجالاً غير تقليدي للعمل في هولندا.

وتناول الدكتور ميلاد موسى أهمية التفكير الإيجابي في حياة الإنسان، وكيف يستطيع الفرد أن يدير أفكاره ويوجهها بما يساعده على تطوير نفسه وتحقيق أهدافه.

ومن خلال ما قدمه، يمكن تلخيص أهم الأفكار في مجموعة من الخطوات العملية.

مراقبة الحوار الداخلي

أكد موسى أهمية أن يراقب الإنسان الطريقة التي يتحدث بها مع نفسه.

فبدلاً من تكرار عبارات مثل:

«لا أستطيع»
«الأمر مستحيل»

يمكن تحويل التفكير إلى أسئلة تدفع العقل للبحث عن الحلول، مثل:

«كيف يمكنني أن أحل هذه المشكلة؟»
«ما البدائل المتاحة أمامي؟»
«ما الخطوة التي أستطيع أن أبدأ بها؟»

فالعقل، كما أوضح، يتأثر بما نكرره لأنفسنا، وطريقة صياغة السؤال قد تكون بداية البحث عن الإجابة.

كما نصح بوضع أهداف واضحة وقابلة للقياس، وألا يظل التفاؤل مجرد أمنية جميلة أو شعور مؤقت.

فالفكرة تحتاج إلى خطة، والخطة تحتاج إلى خطوات عملية، حتى ولو كانت صغيرة.

الخطوة اليومية البسيطة قد تبدو غير مؤثرة في البداية، لكنها مع الاستمرار يمكن أن تقود إلى نتائج ملموسة.

البيئة المحيطة بنا

وتطرق أيضاً إلى أهمية البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والأشخاص الذين يحيط نفسه بهم.

فالأفكار، كما قال، تنتقل بين الناس، والتواجد وسط أشخاص طموحين وإيجابيين يمكن أن يساعد الإنسان على تطوير نفسه، بينما الاستسلام الدائم لبيئة محبطة قد يجعل الإنسان أسيراً للأفكار السلبية.

وأكد أن تحديد المصير ليس مجرد مصادفة، بل يرتبط إلى حد كبير بالإدارة الواعية للأفكار والمدخلات الذهنية، وتحويلها إلى عمل حقيقي على أرض الواقع.

واختتم الدكتور ميلاد موسى حديثه بفكرة إنسانية جميلة، أكد فيها أن الإنسان يستطيع، في كثير من الأحيان، أن يساعد نفسه على الشعور بالسعادة.

ونصح بأن يستعيد الإنسان، في اللحظات التي تسبق النوم، مشاهد جميلة وذكريات تمنحه الشعور بالراحة، بدلاً من الاستسلام للأفكار المزعجة والقلق، حتى يخلد إلى النوم في هدوء ويستيقظ بطاقة أكثر إيجابية.

استمع الحضور إلى المحاضرة، التي استمرت نحو أربعين دقيقة، باهتمام واضح، وعبر كثيرون عن سعادتهم واستفادتهم من الأفكار والنصائح التي قدمها الدكتور ميلاد.

كما ألقى الأستاذ راضي كلمة تناول فيها أهمية تفاعل أفراد الجالية مع مقدمي الخدمات الاجتماعية في هولندا.

ونصح الحضور بالالتزام بمواعيد اللقاءات مع المسؤولين، والتعامل معهم بشفافية، وتقديم المعلومات المطلوبة بوضوح، بما يساعد الجهات المعنية على تقديم أفضل خدمة ممكنة.

وأكد كذلك أهمية الاهتمام بالمراسلات الحكومية وعدم إهمالها، لأن تجاهل رسالة أو تأخير الرد عليها قد يؤدي في بعض الحالات إلى غرامات مالية أو فقدان بعض الحقوق أو المساعدات.

وكانت رسالة عملية ومباشرة، خاصة لمن يواجهون صعوبات في التعامل مع الإجراءات والمؤسسات الرسمية.

وبعد انتهاء الكلمات والمحاضرات، بدأ الجزء الذي لا يقل أهمية عن أي برنامج ثقافي: الجلوس معاً.

قُدم للحضور الكشري المصري، إلى جانب الأرز باللبن، فتحولت القاعة إلى مساحة اجتماعية مليئة بالأحاديث والضحكات.

جلس الناس يتعارفون، وتبادلوا الأحاديث، والتقطوا الصور التذكارية، في أجواء اتسمت بالود الواضح والرضا عن اللقاء وحسن التنظيم.

وربما كانت أجمل ما في هذه الأمسية أنها لم تكن مجرد محاضرة عن التفكير الإيجابي، بل كانت تطبيقاً عملياً له.

فمنذ اللحظة الأولى، بأغاني السيارة القادمة من أمستردام، ومروراً باللقاءات والضحكات والكلمات، وصولاً إلى الكشري والأرز باللبن، كان هناك شعور بأن الهدف ليس فقط تقديم معلومات أو نصائح، بل أن نلتقي، ونتعرف، ونضحك، ونشعر بأننا لسنا وحدنا.

وفي ختام الأمسية، وعدت السيدة أسماء منصور بتكرار هذه المناسبة في لاهاي.

وإذا كانت هذه الأمسية قد أثبتت شيئاً، فهو أن الجاليات لا تحتاج دائماً إلى مناسبات ضخمة حتى تشعر بقوتها، بل ربما يكفي مكان دافئ، وقلوب مفتوحة، وفكرة طيبة، وأشخاص يؤمنون بأن إسعاد الآخرين هو في حد ذاته شكل من أشكال النجاح.

وهكذا، خرج الجميع من مركز الحي في لاهاي، بعد ثلاث ساعات من الثقافة والحوار والضحك والطعام، وربما يحمل كل واحد منهم شيئاً مختلفاً من تلك الأمسية… فكرة جديدة، أو صديقاً جديداً، أو ابتسامة بقيت معه حتى العودة إلى البيت.

وهذا، في النهاية، هو أجمل ما يمكن أن تتركه أمسية «سوا»: أن نلتقي، فنشعر أن الغربة أقل، وأن الإنسان، حين يمد يده للآخر بمحبة، يستطيع بالفعل أن يصنع فرقاً كبيراً.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

تعليق واحد

تعليق واحد

  1. يقول Nagwa:

    كنت اتمنى وجودى معكم ولكن نظرا لظروفي الصحيه لم أتمكن . . أنا سعيده جدا بالتجمع الهائل المحترم واتمنى الاستمرار فى عقد هذه الندوات الثقافية الجميله بدغم وتنظيم من السيده الفاضله اسماء’بنت العمده التى ايضا بها صفات ابيها
    ولى معها مواقف انسانيه رائعه الاستمرار فى عاصمه لاهاى السياسيه مطلب هام واتمنى الاستمرار فيه
    تحياتى لك استاذى الفاضل صاحب الكلمه الصادقه
    ود ميلاد ايضا وا راضى واتمنى لكم الاستمرار فة دانهاخ مع السيده الجميله اسماء’وشكر خاص للسيده امنيه تعاون محترم ومشرف

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *