كتب – ضرغام الدباغ:
هذه هي مقالتي الثانية بعد هزيمة الأمريكان في أفغانستان، وهي هزيمة متوقعة، ليس لأن حركة طالبان عظيمة لدرجة أنها استطاعت أن تهزم قوة عظمى كالولايات المتحدة في ذروة صعودها ومعها حليفاتها، في مرحلة القطبية الأحادية والعولمة.
ولا تخلو حركة طالبان من مكامن قوة طبيعية مكنتها من إحراز هذا الانتصار التاريخي، فالأمريكان استخدموا قنابل تذيب الجبال، وأنفقوا أموالًا يشترون بها الإنس والجن، ولكن أيضًا وهذا مهم، أن الإمبريالية العالمية بلغت درجة الإهتراء القصوى داخليًا بتناقضاتها العميقة، وخارجيًا خسرت مكانة التفوق الإقتصادي لصالح مراكز أخرى.
حضرت مرة مؤتمرًا دوليًا في كلية الحقوق ــ جامعة روما / إيطاليا – والموضوع الأساسي فيه “حق الشعوب في المقاومة”، والشعب العراقي كمثال.
ولكن المؤتمر تطرق إلى حالات عديدة، منها مقاومة الشعب الأفغاني للإحتلال الأمريكي / الغربي، وموضوعات طابعها قانوني / فلسفي، ومن تلك، تأكيد أن لا يوجد احتلال شريف مهما كانت الذرائع، والقوة الشعبية الأخلاقية “بالدرجة الأولى” بوسعها أن تتصدى لآله الحرب المتقدمة وتهزمها، لأنها تتمتع بالقوة المادية التاريخية.
أحد المتداخلين، قلل من قيمة المقاومة الأفغانية لأن الطابع الديني هو الغالب، هذه قوة روحية يتمتع بها الشعب، يوحد بها صفوفه، وينتصر على من يحاول احتلاله..فقاطعه أحد الشيوخ من أساتذة القانون من الإيطاليين، وهو شيوعي مخضرم، ونهر المتكلم بشدة، وقال: “هل يعني أن هناك قوة تسمح لبلد أن يعتدي على بلد آخر ويصادر استقلاله؟ إن مقاومة الإحتلال أي احتلال هي قضية مشروعة وبأي وسيلة متاحة”.
إذن فالاحتلال ومآله يقع في مدى التحولات المادية التاريخية، وفي الأفق المنظور وليس البعيد، والأمر ليس بقضية نظرية خيالية.
ومن البديهي أن سيناريو انتصار حركة مقاومة شعبية على تحالف قوى عالمي كالولايات المتحدة وحلفاءها، سوف لن يتوج بسقوط العاصمة واشنطن، أو بروكسل – مقر الناتو -، بل النصر يتحقق بعجز القوى الاستعمارية / الإمبريالية من تحقيق ما تريد، وما تريده هو القضاء على جذوة الحرية لدى الشعب وإلحاقه في مخططاتها.
وقد تحطمت أكف المتدخلين وتكنولوجياتهم الحربية المتقدمة، من القرع على البوابات الخشبية / الفولاذية لكابل وقندهار وقندوز، وبادروا بهذه اللغة أو تلك بالطلب: “رجاء اسمحوا لنا بجمع حوائجنا والفرار ..!”.
ضاعت مئات المليارات وضحاياهم في الهواء …وهذا برهان آخر وعبرة أن مصير أي احتلال هو الزوال، وأعوان الاحتلال وأذنابه هو التبخر في الهواء الطلق ..!
الآن رحل المحتل … ومن كان يعتقد أن الإحتلال سرمدي تبين أنه جاهل، ومن كان يعتقد أن الشعب يبدل قياداته الوطنية (أي كان صنفها) بحكومة المكدونالدز والهامبرغر تبين أنه غشيم …ومن اعتقد أن القتل والتدمير والسجن والاغتيال مفيد، تبين أنه غبي لا يفهم التاريخ..ثم إن الاحتلال أخذ معه أفضل كلابه من المتعاونين (من غير المعقول أن يأخذهم كلهم)، وترك الباقين لتذروهم الرياح، تحت شعار “هم قبضوا أتعابهم، والحمار يموت بكروته”، ماذا سيفعل بقية المتعاونين ماذا سيفعلون؟!
نظام العملاء الذي أقامه الأمريكان لا يريد أن يصدق أن الحلم انتهى، وهيا انقلعوا إلى الأماكن التي جئتم منها، سائر الناس: “البعض منهم سيأتي راكعًا خاضعًا باكيًا طالبًا السماح والعفو…وأرجح أن طالبان اليوم، هي غير طالبان قبل 20 عام خلت.
التجربة الكبيرة لها دروسها، هناك من لعب دور الخادم والمتملق، والأجير هذا قضيته سهلة…وهناك من الخونة من تبلغ درجة الصفاقة والوقاحة به درجة عالية، فيريد أن يحجز تذكرة ليشارك في حفل الانتصار…هذا أيضًا قضيته سهلة، وهناك من الخونة من تلطخت أيديهم بدماء الشعب مقابل حفنة دولارات وهذه مسألة فيها نظر، ولكن هناك من الخونة والمتعاونين من يريد أن يتطاول فيناكف الثورة الظافرة المظفرة المنتصرة ولا تعرف ما يريد بالضبط…سوى إثارة المتاعب وهؤلاء سينالون ما يكفي أن يلزموا جحورهم.
قوى إقليمية هالها أن تكون أفغانستان حرة، فهم يفضلون التعامل مع القوي الذي لا يحترمهم، بدل قوة إقليمية واعدة، ستحاول أن تضع لها موضع قدم، وأن يكون لها في العرس قرص…هذه ستفشل وتنكفئ خاسئة خاسرة. الروس سينظرون بعين من يترقب الأهوال…ويترددون بين لعبة الحوار والسياسة، واستعراض العضلات، مع أنه جرب لغة فرض القوة، والنتائج كانت مأساوية.
سيفوز من أدرك قواعد حركة التاريخ بالعلم والثقافة، أم بالسليقة.. وبالحكم والثقافة الشعبية (دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة) ولم ترهبه قعقعة السلاح…وسيساهمون في خلق أفاق جديدة لأفغانستان ولعموم المنطقة، وأرجح أن نهاية الإحتلال الأمريكي لأفغانستان سيكون فاتحة لمرحلة جديدة لأفغانستان وللمنطقة، هذه الخطوة الأولى فحسب…!
ـــ خسائر الأمريكان في أفغانستان :
- من القتلى / خلال المعارك : 1897 قتيل.
- قتلى حوادث : 415 قتيل.
- من الجرحى والمعوقين :أكثر من 20,660 جريح ومعاق.
- مجموع القتلى 2312 قتيل.
- حرب استنزاف طيلة 21 عامًا، خسروا خلالها ما بين 3 تريليونات و800 مليار دولار، بحسب مصادر مختلفة، ليقرروا أخيرًا الانسحاب منها دون أن يتمكنوا من القضاء على عدوهم الصغير (حركة طالبان).
- دمروا أشياء مثل السيارات المدرعة وأكثر من 15000 قطعة أخرى من المعدات التي اعتُبِرَت ملكية زائدة.
- تقرير لمجلة Militarytimesالأمريكية بعنوان “الحرب الأفغانية كلفت أكثر من تريلوني دولار أمريكي و240 ألف قتيل”، فصل تلك الفاتورة اعتمادًا على تقرير أمريكي رسمي صادر عن وزارتي الدفاع (البنتاغون) والخارجية.
- التقرير تكلفة إرسال القوات الأمريكية إلى أفغانستان منذ عام 2001 وحتى نهاية 2020 وأعداد تلك القوات، إضافة إلى الأموال التي أنفقها البنتاغون والخارجية لإدارة الصراع وعلاج ومساعدة العسكريين الأمريكيين الذين أصيبوا هناك، ويخلص التقرير الصادر الجمعة 16 أبريل/نيسان الماضي، إلى أن الفاتورة المالية تتخطى حاجز 2 تريليون دولار أمريكي.
- وعن تفاصيل الأموال وجد تقرير تكاليف الحرب أن البنتاغون ضخ 933 مليار دولار من خلال صندوق التمويل الطارئ للعمليات العسكرية عبر البحار، بينما باقي المبلغ الضخم جاء في صورة 443 مليار دولار من ميزانية البنتاغون السنوية وزياداتها المخصصة لدعم الحرب في أفغانستان منها 296 مليار دولار لرعاية قدامى المحاربين، إضافة إلى 59 مليار دولار من صندوق التمويل الطارئ الخاص بوزارة الخارجية و530 مليار دولار لتغطية فوائد وأقساط القروض التي حصلت عليها الوزارتان لتغطية نفقات الحرب على مدى 20 عامًا.
- ورصد تقرير آخر لهيئة الإذاعة البريطانية BBC تفاصيل أخرى لتلك الفاتورة تمثلت في أنه بحلول عام 2018 بلغ الإنفاق السنوي على القوات الأمريكية في أفغانستان نحو 45 مليار دولار، بحسب ما قاله مسؤول كبير في البنتاغون للكونغرس الأمريكي في ذلك العام، ووفقًا لوزارة الدفاع الأمريكية بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان من أكتوبر / تشرين الأول من عام 2001 وحتى سبتمبر / أيلول من عام 2019 نحو 778 مليار دولار.
