القائمة

أجساد في مهب التعويم: قراءة سيميائية في تفكيك اقتصاد الفاحشة والوهم الحقوقي

Linda Seleem شهر واحد مضت 0 5.1 ألف

بقلم د. ليندا سليم

حين نُخضع المطالبات المعاصرة الداعية لتقنين الجنس التجاري للقراءة السيميائية العميقة، نكتشف  أننا لسنا أمام فكر تنويري حديث أو صرخة تحررية وليدة اليوم، بل نحن أمام إعادة إنتاج نسقية ومستترة للشفرات الاستعمارية القديمة التي تتدثر بمسميات براقة مثل الحقوق الجسدية والمظلة التأمينية للعاملات، وهي ممارسات لغوية تحاول جاهدة نزع السياق القهري عن الفعل وتحويله زيفاً إلى نشاط تجاري اختياري، في حين أن العودة للمرجعية التاريخية تكشف أن هذه الديباجة التبريرية هي ذاتها التي شرعن بها الاحتلال البريطاني هذه التجارة في مصر عبر لوائح ثمانينيات القرن التاسع عشر ، ولم تكن الدلالة السياسية والإنسانية وقتها تتمحور حول حماية النساء أو صون كرامتهن، بل تحويل أجساد الفتيات المستضعفات إلى أداة وظيفية بحتة لتوفير بيئة ترفيهية آمنة طبيًا لجنود جيش الاحتلال البالغ عددهم مئات الآلاف، بغاية تخفيف وطأة وجودهم العسكري وحمايتهم من الأمراض السرية، لتصبح أجساد النساء قرباناً يُقدم على مذبح التهدئة الاستعمارية.

إن العلامة السيميائية الأبرز في المشهد الراهن تتجلى في التحول الهيكلي المخيف في منظومة القيم تحت وطأة الضغط المادي الطاحن، إذ لا يمكن تفكيك هذا الخطاب بمعزل عن واقع التعويم المتتالي والتضخم غير المسبوق والغلاء الذي يعتصر الفئات الأكثر احتياجاً، حيث تحول الزواج الشرعي بفعل المهور الفلكية وتكاليف التأسيس الباهظة والتشريعات التعجيزية المستحدثة من دالٍ على الاستقرار والأمان إلى عبء مالي يفوق طاقة الشباب البالغين، مما أنتج عزوفاً جماعياً ونسب عنوسة وطلاق مرعبة، ليتلاقى هذا الانسداد الكامل في قنوات الارتباط الشرعي مع طحن الفقراء، فيدفع ببعض النساء المعيلات للتفكير في أجسادهن كمورد اقتصادي أخير للبقاء على قيد الحياة، بينما يرى الشباب العاجز ماديًا في الجنس التجاري المتاح بديلاً رخيصاً ومؤقتاً يتخفف فيه من أعباء المسؤولية المستمرة والالتزامات المادية القاسية، ليعود بنا التاريخ إلى اقتصاد الجباية الاستعماري القديم حين كان جسد المرأة ترساً في منظومة الضرائب التي تصب في خزائن بلديات المحتل، وهو تماماً ما يغفله المنادون بالتقنين اليوم الذين يشرعنون تحويل المأساة الإنسانية والاحتياج البشري إلى نشاط استثماري خاضع للربح والضريبة.

هذا الخطاب يقع أيضاً في مأزق بنيوي حاد وتناقض صارخ حين يستدعي التجربة القانونية الغربية والفرنسية تحديداً كمرجعية علمانية يظن أنها تبيح هذه الممارسات، فالقراءة القانونية المقارنة تكشف صدمة معرفية كبرى، إذ تتبنى فرنسا استراتيجية إلغائية صارمة تصنف هذا الفعل سيميائياً وإنسانياً كشكل من أشكال العنف ضد المرأة وتعدٍ سافر على الكرامة البشرية .

وبموجب القانون الفرنسي الصادر عام 2016، لا تُجرّم بائعة الهوى مطلقاً بل تُعامل كضحية لقهر اجتماعي واقتصادي يستوجب الحماية والدعم، بينما يُجرّم القانون الزبون المشتري وتُفرض عليه غرامات مالية باهظة تبدأ من ألف وخمسمائة يورو مع إجباره على حضور دورات تأهيلية للتوعية بمخاطر استغلال النساء  ويمنع القانون الفرنسي تماماً فتح بيوت الدعارة أو التكسب من وراء ممارسة الغير  وفي المقابل، أثبتت إحصائيات الدول الأوروبية الأخرى التي سلكت طريق التقنين الكامل كألمانيا أن الشرعنة لم تحمِ النساء أبداً بل تحولت إلى غطاء قانوني لمافيات الاتجار بالبشر وتبييض أموال القوادين، مما يجعل القانون المصري الحالي متسقاً مع الروح الحمائية الإنسانية وحصانة محكمة النقض التي تربط النظام العام والآداب بوجدان المجتمع المستمد من الأديان وصون كرامة الأسرة.

وفي أعمق مستويات التحليل السيميائي، يلتقي الجانبان النفسي والديني ليفككا تماماً رمزية صمام الأمان الزائفة، تلك الأطروحة الفلسفية الطبقية والذكورية القديمة الموروثة من عهود الجاهلية ومنظومة الجواري، والتي كانت تزعم قديماً أن التضحية بأجساد الفئات المستضعفة ضرورة لحماية عفة وطهارة المحصنات الشريفات من غريزة الرجال وجنون الحروب، حيث أثبتت الدراسات السلوكية الحديثة أن تقنين الجنس التجاري لا يقلل معدلات الاغتصاب لأن هذه الجرائم تنبع من نزعات السيطرة والعنف والسطوة وليس من مجرد رغبة بيولوجية، بل إن التقنين يؤدي سيميائياً ونفسياً إلى تشويه الإدراك البصري والذهني للرجل تجاه المرأة عبر اعتياده النظر إليها كسلعة فورية تُشترى بالمال، مما ينزع القدسية عن الحرمة الجسدية ويزيد من معدلات التحرش والعنف ضد نساء المجتمع ككل دون تمييز، وهو ما حاربه الإسلام تاريخياً حين حرم إكراه الفتيات على البغاء لابتغاء عرض الحياة الدنيا، رافضاً مبدأ تجزئة عفة المجتمع ومؤكداً أن الكرامة الإنسانية للمرأة بنية واحدة لا تقبل القسمة، وأن علاج الأزمات الاقتصادية يكون بتيسير الدال الشرعي وتخفيف الأعباء عن كاهل الشباب وعبر التكافل الاجتماعي وحماية الضعفاء، وليس عبر شرعنة القهر وجعل الحرام مسكناً تشويهياً للأزمة.

إن القراءة السيميائية الموجزة لهذا المشهد تؤكد أن المطالبة بالتقنين في ظل طاحونة الغلاء والتعويم وتصعيب الزواج ليست فكراً تنويرياً، بل هي استسلام اقتصادي مرير وشرعنة لقهر النساء.

 ولتقليل المشاحنات المجتمعية وحماية السلم الأهلي ومنع رجوع هذه الآفة الاستعمارية، يتعين على صناع القرار سرعة اتخاذ اللزم عبر مراجعة التشريعات والقوانين لتيسير شروط الزواج قانونياً واجتماعياً وتخفيف الرسوم عن كاهل الشباب لإعادة فتح القنوات الشرعية المستقرة، بالتوازي مع تقديم دعم اقتصادي وحماية اجتماعية مباشرة للمرأة المعيلة والفئات الأكثر فقراً لقطع الطريق على مافيات الاستغلال، مع التأكيد التشريعي الحاسم على تبني الفلسفة الحمائية التي تنظر للمستضعفات كضحايا يجب إنقاذهن وانتشالهن، وليس كمجرمات أو كأدوات تجارية خاضعة للضريبة والربح العام.


كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *