القائمة

أبحث عن كهف

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 7.1 ألف

بقلم|د.ليندا سليم

أبحث عن كهف لا لأن العالم ضاق بي، بل لأن كل شيء من حولي يتكاثر بشكل مشوّه، كأن الحقيقة نفسها فقدت ملامحها، وكأننا نعيش زمنًا لا يُكذَّب فيه الكاذب ولا يُصدَّق فيه الصادق، بل يُعاد تشكيل كل شيء وفق هوى اللحظة، حتى صار السؤال ليس ماذا يحدث، بل كيف أصبح هذا طبيعيًا، وكيف تحوّل الشك إلى يقين حين يخدم الهوى، واليقين إلى موضع شبهة حين يزعج المصالح.

بين نظرية مؤامرة تُسوَّق كحقيقة، وحقيقة تُفرَّغ من معناها لتبدو وهماً، يقف الإنسان حائرًا، لا يعرف أين يضع قلبه ولا كيف يحمي عقله، يرى من يبرر الفجور باسم الحرية، ومن يجمّل الانحلال تحت لافتة التقدم، ومن يبيع القيم في أسواق المصالح ثم يحدثك عن الأخلاق، يرى مهرجانات للعُري تُصفَّق لها، ومنصات للرداءة تُدعم، وعقولًا تُستأجر لتبرير كل ما لا يُبرَّر، فيختلط عليه المشهد حتى يصبح القبح مألوفًا، بل ومطلوبًا.

الكارثة الحقيقية لا تقف عند ضجيج العلن، بل تتسلل إلى أكثر الأماكن قداسة إلى البيوت، حين يتحول الأمان إلى خوف، والستر إلى فضيحة، فنسمع عن أب ينتهك براءة ابنته، وعن فتاة تُدفع إلى خطيئة لم تخترها، وعن أخ يُقصي أخته عن حقها في الميراث، وعن أخوات يتآمرن لعزل من بقي صادقًا لأن صدقه يفضحهم، وعن أب يزرع التفرقة بين أبنائه، وعن أرحام تُقطع بلا وجع، كأن القلوب فقدت إحساسها، وكأن الروابط صارت عبئًا لا قيمة له.

وفي ذروة هذا العبث، لا يكون الألم فقط فيما يحدث، بل في صمت من يفترض أنهم حراس القيم، أو تبريرهم، أو مساومتهم، وهنا تحديدًا يصبح البحث عن كهف ليس ضعفًا كما يبدو، بل محاولة أخيرة للنجاة، لأن الكهف لم يعد حجرًا ولا مكانًا، بل حالة، حالة من العزلة الواعية، انسحاب من الضجيج لا من المسؤولية، حفاظ على ما تبقى من الفطرة قبل أن تبتلعها فوضى التبرير.

أبحث عن كهف لأعيد ترتيب المعايير داخلي، لأحمي قلبي من الاعتياد على القبح، لأغلق أذني قليلًا عن صخب التزييف وأفتحها للحقيقة، لكنني أدرك أن الهروب الكامل ليس حلًا، كما أن الذوبان في هذا الواقع ليس خيارًا، فالحياة لا تُعاش من خلف الجدران، ولا تُحفظ القيم بالانسحاب التام، بل بصناعة كهف داخلي نحمله معنا أينما ذهبنا.

أن نختار ما نسمع دون أن ننفصل عن الواقع، أن نُفلتر ما نرى دون أن نُغلق أعيننا، أن نُربّي أبناءنا على ميزان لا يتغير في زمن تتبدل فيه الموازين، أن نقول “لا” حين يصبح الصمت هو القاعدة، أن نحفظ حدودنا حتى لو انهارت حدود الآخرين، أن نكون غرباء دون أن نفقد إنسانيتنا، لأن أخطر ما في هذا الزمن ليس انتشار الفساد، بل اعتياد الناس عليه، وأخطر من الكذب أن يصبح جزءًا من الحقيقة التي نعيش بها.

أبحث عن كهف، لا لأغيب عن الحياة، بل لأعود إليها أنقى، لا لأهرب من العالم، بل لأحتمي منه قليلًا كي لا أفقد نفسي بالكامل، أبحث عن كهف أختبئ فيه من هذا الضجيج حين يشتد، ثم أخرج منه أكثر وعيًا، أكثر ثباتًا، وأكثر قدرة على أن أعيش دون أن أُسجّل في قائمة من باعوا أنفسهم تحت ضغط هذا الزمن، ودون أن أخسر آخر ما تبقى مني.

كاتب

الوسوم
كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *